السيد كمال الحيدري

46

أصول التفسير والتأويل

لقد قبل صدر المتألّهين رحمه الله الأصل الثاني ، بيد أنّه أشكل على الأصل الأوّل ، لأنّ أكثرية الناس محرومون من إدراك الكلّى المجرّد ، بل إنّ وجود الكلّى في أذهانهم كوجود الكلّى في الخارج . أي أنّ الكلّى في الخارج موجود بنعت الكثرة ، ومثله في ذهن عامّة الناس كمثله في الخارج أيضاً ، يوجد بوصف الكثرة ، ولكن مع تفاوت في الحالين ، إذ هو مادّى في الخارج ، أمّا في ذهن أكثر الناس فهو في حدّ التجرّد البرزخي ، ومردّ ذلك أنّهم يدركون الكلّى في مرتبة الخيال المنتشر . وبمعونة الانتشار الخيالي والتكثّر المثالي ، يلمسون الجامع الواسع فيما بينها . فليس بمقدور عامّة الناس مطلقاً ، أن يدركوا المفهوم الكلّى للشجرة مثلًا ، من دون أن يتمثّل في خيالهم أي أثر للجذر والجذع والساق والغصن والورقة ، وأيضاً من دون أن يتخيّلوا أىّ انبساط وكثرة وانتشار من الكلّى ، بل هم يدركون المفهوم الجامع للشجر في إطار التمثّل الخيالي ، كما يفهمون كلّيته أيضاً بمعونة الانتشار الذهني وتوسّعه وكثرته ، ولا يدركون المفهوم المنزّه من الجذر والورقة ، المبرّأة من المصداق والفرد . في ضوء هذا لا يصدق برهان تجرّد الروح عن طريق إدراك الكلّى إلّا بشأن الأوحدي من النفوس الناطقة ، لا بالنسبة لنفوس جميع الناس . سألت الأُستاذ العلّامة بعد ختام البحث المذكور : هل يمكنك أن تدرك الكلّى بدون تمثّل فرده الخيالي ، ومن دون تخيّل انتشاره بين المصاديق المثالية ؟ أجاب : إلى حدّ ما ! وهذا الجواب منه مع ما انطوى عليه هذا العظيم من خفض جناح وتواضع جبلّى حيث لم يخامره الإعجاب والزهو بالنفس أبداً كان يعنى : نعم . وطبقاً لقول أمير المؤمنين عليهالسلام فإنّ إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله « 1 » .

--> ( 1 ) مهر تابان ، ترجمة : جواد على كسّار : ص 439 .